أحمد بن موسى العزري
محام
يُعدّ الشيك من أهم أدوات الوفاء في المعاملات التجارية والمالية، إذ يُستخدم كوسيلة لتيسير حركة الأموال وضمان الحقوق بين الأفراد والمؤسسات. ويُعرَّف الشيك بأنه صكّ مكتوب يتضمّن أمرًا يصدره الساحب – وهو محرر الشيك – إلى المسحوب عليه، وهو البنك، يلزمه فيه بدفع مبلغ محدد من المال إلى حامل الشيك أو المستفيد في التاريخ المدوّن عليه. ويُعد الشيك أداة وفاء تقوم مقام النقود، يُعتمد عليها في التعاملات التجارية بوصفها وسيلة قانونية تضمن سرعة السداد وتسهّل انتقال الحقوق المالية بين الأطراف.
استنادًا إلى المادة (٥٢٣) من قانون التجارة العُماني، يشترط لصحة الشيك أن يشتمل على لفظ “شيك” في متن الصك باللغة التي حُرر بها، وتاريخ ومكان إنشائه، واسم من يلزمه الوفاء (البنك المسحوب عليه)، وأمر غير معلّق على شرط بوفاء مبلغ معيّن من النقود مكتوبًا بالأرقام والحروف، واسم من يجب الوفاء له أو لأمره وفقًا للمادتين (٥٢٨) و(٥٢٩)، وبيان مكان الوفاء، وتوقيع الساحب. ويكون الشيك واجب الوفاء في التاريخ المدوَّن فيه، ولا تجوز المطالبة بقيمته قبل هذا الموعد، بحيث يضمن استيفاء هذه البيانات للشيك قوّته القانونية ويُرتّب آثاره كأداة وفاء فورية ملزمة.
ومع انتشار التعامل بالشيكات كوسيلة رئيسية في الحياة الاقتصادية، ظهرت العديد من المشكلات المرتبطة بإساءة استعمالها، سواء بإصدارها دون رصيد كافٍ، أو تداولها مع العلم بعدم قابليتها للصرف، مما يعد إخلالًا بالثقة التي يقوم عليها النظام المالي ويزعزع استقرار المعاملات التجارية. وقد عالج قانون الجزاء العُماني هذه الأفعال في المادة (356/أ) التي نصت على أن “يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنتين، وبغرامة لا تقل عن مائة ريال عُماني ولا تزيد على خمسمائة ريال عُماني، كل من أعطى شيكاً قابلاً للصرف لا يقابله رصيد قائم، أو كان الرصيد أقل من قيمة الشيك، أو كان الحساب مغلقاً.” ويتضح من هذا النص أن المشرع العُماني منح الشيك حماية جنائية خاصة بوصفه أداة وفاء فورية، وألزم الساحب بتحمل المسؤولية عن إخلاله بالتزام السداد حمايةً للثقة العامة في المعاملات المالية.
إلا أن العقوبة السالبة للحرية المقررة لهذه الجرائم – والتي قد تصل إلى سنتين – أصبحت محل نقاش في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة، إذ يرى كثير من الفقهاء والممارسين أن هذه العقوبة لم تعد تتناسب مع طبيعة الجريمة، خاصة وأنها ذات طابع مالي مدني في جوهرها. فالكثير من حالات إصدار الشيك دون رصيد لا تنبع من قصد احتيالي أو نية إجرامية، وإنما من تعثر مالي أو ظروف اقتصادية قاهرة. وبالتالي فإن الزج بأصحابها في السجون لا يؤدي إلى تحقيق الردع الحقيقي، بل يسهم في تعطيل النشاط التجاري وإثقال كاهل الدولة بأعباء مالية إضافية لتنفيذ العقوبات، في حين يظل المستفيد محرومًا من حقه المالي.
ومن المهم التمييز بين حالتين مختلفتين في التعامل مع جرائم الشيك:
- الحالة الأولى تتعلق بإصدار الشيك بسوء نية، كأن يعلم الساحب بعدم وجود رصيد أو أن حسابه مغلق، وهذه الحالة تبرر استمرار التجريم والعقاب الصارم حمايةً للثقة العامة.
- أما الحالة الثانية، وهي إصدار الشيك في ظل تعثر مالي غير مقصود، فإن معالجتها بالعقوبة الحبسية لا تحقق مصلحة حقيقية، بل يمكن التعامل معها من خلال آليات مدنية أو تنفيذية أكثر عملية.
وفي هذا الإطار، ومن التجارب التشريعية الحديثة التي تبنت حلولًا متقدمة في هذا الشأن. فقد جاء المرسوم بقانون اتحادي رقم (50) لسنة 2022 بشأن إصدار قانون المعاملات التجارية في دولة الإمارات العربية المتحدة ليقرّ تحولًا نوعيًا في معالجة جرائم الشيكات، حيث نصت المادة (667) منه على أنه يجوز لحامل الشيك المرتجع أن يلجأ إلى تنفيذه مباشرة دون اللجوء إلى الطريق الجزائي، باعتبار أن الشيك المثبت عليه من البنك المسحوب عليه عبارة “عدم وجود رصيد” أو “عدم كفاية الرصيد” يعد سندًا تنفيذيًا يمكن للدائن بموجبه مباشرة إجراءات التنفيذ أمام الجهات المختصة. وقد أسهم هذا التعديل في تقليص الدعاوى الجزائية المتعلقة بالشيكات، وسرّع في استيفاء الحقوق المالية للمستفيدين دون المساس بحرية الأفراد.
إن تبني مثل هذا النموذج التشريعي في سلطنة عُمان من شأنه أن يحقق توازناً حقيقياً بين حماية الائتمان التجاري وضمان العدالة الاجتماعية، إذ يسمح للدائن بالحصول على حقه بسرعة من خلال التنفيذ المباشر، وفي الوقت ذاته يجنّب المدين التعرض للحبس في حالات التعثر غير المقصود. ويمكن تعزيز هذا الاتجاه بفرض غرامات مالية تصاعدية بدلاً من الحبس، أو بالمنع المؤقت من إصدار الشيكات، أو بإدراج المخالف في نظام ائتماني خاص يحد من تعاملاته المصرفية إلى حين تسوية التزاماته.
كما تؤكد التجارب الدولية والإقليمية، كالتشريعات في البحرين والمغرب، أن نزع الصفة الجزائية عن الشيكات في أغلب صورها لم يؤدِّ إلى ضعف الثقة في التعامل المالي، بل على العكس ساهم في تسريع تحصيل الحقوق وتخفيف العبء عن المحاكم والادعاء العام. ومن الزاوية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الاكتفاء بالمعالجة المدنية أو التنفيذية لهذه الجرائم يجنّب الدولة تكاليف باهظة لتنفيذ العقوبات الحبسية، ويحافظ على الاستقرار الأسري والإنتاجي للأفراد.
وبناءً على ما سبق، فإن مراجعة السياسة الجنائية في جرائم الشيكات باتت ضرورة تشريعية واقتصادية ملحّة، لأن المعالجة الحالية لا تحقق التوازن بين حماية الدائن وصون حرية المدين. إن الاتجاه نحو اعتبار الشيك سنداً تنفيذياً، يمثل خطوة إصلاحية تتماشى مع فلسفة قانون تبسيط إجراءات التقاضي في شأن بعض المنازعات، وتؤسس لعدالة مالية واقتصادية أكثر توازناً.
